الفيلسوف ماركوس اوريليوس
كتبهافتاة الياسمين ، في 11 نوفمبر 2009 الساعة: 05:12 ص
المصدر - منتديات
عاش الامبراطور ماركوس اوريليوس وحكم الدولة الرومانية في فترة عصيبة مضطربة ، وصفها
المؤرخ الفرنسي " تين " بقوله : ( كان يصعب على المرء آنذاك ان يعيش انسانا ، فكم بالحرى ان
يكون امبراطورا ؟ ) ولكن ذلك الامبراطور بقي محتفظا باتزانه وهدوئه واطمئنانه بين انواء السياسة وعواصفها العاتية .
ولد ماركوس اوريليوس في 26 /نيسان / 121 م ، من اسرة نبيلة اسبانية الاصل ، حصل افرادها على
الجنسية الرومانية من زمن بعيد ، وما لبث ابوه ان مات فنشأ في كفالة جده الى ان تبناه الامبراطور"
انطونينوس " عام 138 م ، ثم زوجه ابنته " فوستينا " عام 145 م ، وما زال يقربه اليه حتى عينه
وليا للعهد ، على ان يحكم شراكة مع اخيه بالتبني " لوسيوس فيروس " ، وهذا ما حصل منذ ان بدأ
اوريليوس حكمه عام 161 م ، الى ان توفي لوسيوس عام 169 م ، وهكذا انتهى الطور الاول من
حكمه ، ليبدا الطور الثاني الذي حكم فيه بمفرده من عام 169 م الى عام 177 م ، ليبدا الطور الثالث
والاخير من حكمه الذي اشرك فيه معه ابنه الشرعي " كومودوس " ، الى ان توفي بالطاعون في
بوهيميا في 17 / آذار / 180 م ، اثناء حربه مع الجرمان الذين هاجموا ولايات الدانوب .
لم تكن حياة الامبراطور ماركوس اوريليوس سهلة رخية ، بل كانت حافلة بالمتاعب والاعباء ، متاعبه
مع شريكه في الحكم " لوسيوس فيروس " المتردد المرتبك ، ومع الفرس الذين هاجموا اطراف
الدولة الشرقية في ارمينيا غداة اعتلائه للعرش الروماني ، وحروبه المتصلة مع الجرمان الذين نهض
لحربهم بنفسه ، بحيث انه قضى معظم سني حكمه بعيدا عن روما لا يقيم فيها الا ما ندر ، ثم خيبة امله
بابنه كومودوس النهم الشره المستسلم لاهوائه ونزواته ، وحتى في حياته العائلية لم يكن موفقا مع
زوجته فوستينا التي كانت تصرفاتها لا تليق ابدا بزوجة امبراطور .
ولكن تلك المحن التي عاشها هذا الامبراطور الفيلسوف لم تزعزع ابدا ايمانه بقيم الخير والحق في
هذا العالم الفاني ، وقد ترك افكاره وتصوراته عن هذه القيم في مذكراته النفيسة التي حملت عنوان "
خواطر " ، والمدونة في اثني عشر فصلا ، دونها الامبراطور في سنواته الاخيرة اثناء حروبه المتصلة مع الجرمان .
وفي هذه المذكرات ، يبدو لنا هذا الرجل انسانا مؤمنا بالقيم النبيلة ، وروحا شريفة نبيلة ، طابعها الاول
، الصدق والاخلاص للحق ، وقد كان في حياته العامة وتصرفاته مخلصا لهذه المبادئ ، بحيث انه
يعرف في التاريخ الروماني بلقب " الصادق " او" الصدوق " الذي اشتهر به في حياته وبعد مماته .
فهو يقول لمن حوله : (( احتفظ بطابعك الاصيل كما هو ، قل الحق مهما كلفك الامر ، ولا تحد عنه قيد
لفظة )) ، وهذا لا يتحقق الا اذا كان الانسان مصغيا دائما الى (( الاله المقيم في قلبه )) ، وهو يؤمن " بالعقل الكلي "
او " العقل الكوني " الذي (( هو مصدر كل قوة وحياة وعقل وعلة ، وهو بحد ذاته قوة الهية تسري في
العالم " كما يسري العسل في اقراصه " فتنعشه وتحييه وتسيره بعدل وحكمة )) .
وامام مظاهر الشر التي يلاحظها الانسان في هذا العالم ، فان عليه ان يدرك الحكمة الخافية وراء ذلك
، وعليه ان يدرك الخير الكامن خلف ذلك الشر فيقول : (( ان كل ما يتم ويقع انما هو نتيجة ضرورية
لتصرف ذلك العقل الكوني ، فلا بد من ان يكون حسنا وعادلا ، ولابد من ان نتقبله بالصبر ، لا بل بالرضى والحب )) .
ان هذه النظرة الى النظام الكوني الكلي هي التي تمنحه السكينة والطمانينة ، ليستطيع تحرير نفسه من
الخوف الذي يعتريه امام تقلبات الدنيا وتصاريف القدر ، وهو يقر بضعفه عن ادراك كل هذا في بعض
المرات ، فيناجي نفسه قائلا : (( يا نفس ، هلاّ تبقين دائما طيبة صالحة مستقيمة ، ملتمة بعضك على
بعض ، مجردة ، تظهرين بجلاء من وراء الجسد غلافك ؟ اتكونين حقا مغتبطة دائما ، لا تتحسرين
على شئ ولا ترغبين بشئ ، مطمئنة الى ما انت عليه الان ، متيقنة من ان كل ما يحدث لك هو الخير ، وهو البلاغ المبين الذي يصلك من الله ؟ )) .
وهكذا يريد اوريليوس ان يصل بنفسه الى اعلى درجات الرضا والتسليم للقدر ، مع ايمانه بان كل ما
قدر عليه هو خير له ، حتى الموت الذي يراه " اشد اسرار الطبيعة وقعا وهولا على الانسان " ، يجب
ان يستقبله الانسان بالرضا حتى يفارق الحياة راضيا مطمئنا " مثلما تفارق حبة الزيتون اليانعة
شجرتها ، وهي تشكر الارض التي غذتها والشجرة التي حملتها " ، لان الموت في نظره ليس نهاية
الانسان ، بل هو متمم لحياة الحكيم صاحب الروح المطمئنة الى ما اعد الله لها من مصير بحكمته ورحمته عزوجل .
هذه مقتطفات من " خواطر " الرجل الذي عرفه التاريخ فيلسوفا اكثر منه حاكما ، وانسانا اكثر منه امبراطورا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تاريخ | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























